يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
505
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان . ويروى أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما وعد رجلا من قريش أن يزوّجه ابنته ، فلما كان عند موته أرسل إليه وزوّجه وقال : كرهت أن ألقى اللّه بثلث النفاق . والكذب كله حرام ومنتن مفضح ، وهو في اللسان لا في القلب ، ومن قبحه وفضيحته أن اللسان يكذب فيكذبه القلب . وكان ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول : الكذب فجور والنميمة سحر ، فمن كذب فقد فجر ، ومن نم فقد سحر . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به . ولم يرخص في شيء منه إلا في ثلاثة مواطن : عند الحرب فإنها خدعة ، والرجل يصلح بين اثنين فيقول خيرا ويتمنى خيرا ، والرجل يرضي امرأته . وفي هذا كله لا يقصد الكذب المحض ولكنه يورّي . وقد جاء : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، ومعنى مندوحة ، أي : سعة وفسحة . يقال : ندحت الشيء ندحا : وسعته ، يعني أن الرجل يتسع في المعاريض عن الكذب إذا اضطر إلى ذلك ، والمعاريض ما إذا اضطر إليه الإنسان إليه ورّى بغيره ، وعرّض بسواه ، والتورية مثل ما جاء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها ، وهذه مكيدة من مكايد الحرب وحيلة ، والحرب خدعة . مثال ذلك أن يريد غزوة الشرق مثلا فيسأل في الظاهر عن طريق الغرب وكيف السفر في تلك الجهة ، وكيف الماء ، وعن أشياء من هذا النوع ، حتى يشيع في الناس أنه يريد ذلك الوجه المخالف لمقصوده ، فتذهب بذلك الجواسيس فتأمن أهل الجهة التي يريد أن يقصدها ، فيلقى أهلها وهم قارّون مطمئنون ، فيأخذهم بغتة . وهذا ضرب من السياسة مستحسن عند أهل الرياسة . وبقي هنا شيء ، وهو إذا كان مصلحة العسكر في إفشاء السر إما لبعد الطريق وإما لكثرة العدوّ ؛ فلا يسعه إلا إظهار الوجه الذي يقصده ، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، وكما جاء في الحديث : قلما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها ، فلما أراد غزو الروم ورّى بتبوك ، واستقبل مفازات وسفرا بعيدا ، وغزو عدد كثير جلي للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك صلى اللّه عليه وسلم . يروى عن إبراهيم أن رجلا أتاه فقال له : إني اعترضت على دابة وإنها نفقت ، ولست أعطي عطائي إلا أن أحلف أنها الدابة التي اعترضت عليها ، فقال إبراهيم : اذهب فخذ دابة فاعترض عليها بجسدك ، ثم احلف أنها الدابة التي اعترضت عليها ،